الشنقيطي
451
أضواء البيان
الأول نسخ التلاوة والحكم معاً ، ومثاله ما ثبت في صحيح مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها قالت : ( كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن . . ) الحديث . فآية عشر رضعات منسوخة التلاوة والحكم إجماعاً . الثاني نسخ التلاوة وبقاء الحكم ، ومثاله آية الرجم المذكورة آنفاً ، وآية خمس رضعات على قول الشافعي وعائشة ومن وافقهما . الثالث نسخ الحكم وبقاء التلاوة ، وهو غالب ما في القرآن من المنسوخ . كآية المصابرة ، والعدة ، والتخيير بين الصوم والإطعام ، وحبس الزواني . كما ذكرنا ذلك كله آنفاً . المسألة السادسة اعلم أنه لا خلاف بين العلماء في نسخ القرآن بالقرآن ، ونسخ السنة بمتواتر السنة . واختلفوا في نسخ القرآن بالسنة كعكسه ، وفي نسخ المتواتر بأخبار الآحاد . وخلافهم في هذه المسائل معروف . وممن قال : بأن الكتاب لا ينسخ إلا بالكتاب ، وأن السنة لا تنسخ إلا بالسنة الشافعي رحمه الله . قال مقيده عفا الله عنه : الذي يظهر لي والله تعالى أعلم هو أن الكتاب والسنة كلاهما ينسخ بالآخر . لأن الجميع وحي من الله تعالى . فمثال نسخ السنة بالكتاب : نسخ استقبال بيت المقدس باستقبال بيت الله الحرام . فإن استقبال بيت المقدس أولاً إنما وقع بالسنة لا بالقرآن ، وقد نسخه الله بالقرآن في قوله : * ( فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا ) * . ومثال نسخ الكتاب بالسنة : نسخ آية عشر رضعات تلاوة وحكماً بالسنة المتواترة . ونسخ سورة الخلع وسورة الحفد تلاوة وحكماً بالسنة المتواترة . وسورة الخلع وسورة الحفد : هما القنوت في الصبح عند المالكية . وقد أوضح صاحب ( الدر المنثور ) وغيره تحقيق أنهما كانتا سورتين من كتاب الله ثم نسختا . وقد قدمنا ( في سورة الأنعام ) أن الذي يظهر لنا أنه الصواب : هو أن أخبار الآحاد الصحيحة يجوز نسخ المتواتر بها إذا ثبت تأخرها عنه ، وأنه لا معارضة بينهما . لأن المتواتر حق ، والسنة الواردة بعده إنما بينت شيئاً جديداً لم يكن موجوداً قبل ، فلا معارضة بينهما البتة لاختلاف زمنهما . فقوله تعالى : * ( قُل لاَ أَجِدُ فِى مَآ أُوْحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَ أَن يَكُونَ مَيْتَةً ) * .